*كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابين* الإستاذ سامي سماحة في 26 /1/2022

 خسرتم حتى الشهامة البدوية

إن الكرامة في بلادي لا تُباع ولا تُشترى

كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابين 

لفض الخلافات بين عرب البادية  أصول وقوانين وأعراف تحترمها العشائر والقبائل البدوية ، فصلحهم صلح وخلافهم خلاف ، وفي كل الحالات يحترمون الغريب إن جاء مصلحا ، ويطردونه إن جاء مُفتنا .

هذه الشهامة البدوية ما زالت حاضرة جذورها عند العائلات والعشائر في معظم أرجاء العالم العربي .حاضرة ليس فقط عند أفراد العشيرة ،بل عند أمرائها وأولي الأمر فيها الذين حاولوا المحافظة عليها إن باللباس أو السكن ، أو بعض العادات والتقاليد . فما زال القمباز لباسهم والعقال والكوفية غطاء رؤوسهم والمضافة مسكنهم والقهوة المرة ضيافتهم وما زال الجمل  رفيقهم وحليب النوق طعامهم ومعاشرة الغلمان غايتهم .

كان البدوي شهم وكريم ،يغيث الملهوف يناصر المظلوم ، يُطعِم الفقير ، يُسهم بفض الخلافات ولو كان ذلك على حسابه .

بالأمس وفد الى بيروت بدوي أسمر ما زال في ريعان الشباب ، طامح الى الأكبر ، حافظ للأمانة وفيّ لسياسة الجماعة ، يحمل معه ورقة صلح بين الكيان اللبناني والأعدقاء في الخليج العربي .

من حيث الشكل هو وسيط ،لا يُرحب به ، لأن فيه الخصام فلا يمكن له أن يكون الحكم ، أما إن كان رسولا وهذه هي الحقيقة ، فإنه من الوقاحة أن يحمل الرسالة  الخصمُ الى الخصم ولا يُكلّف وسيطا ثالثا خالي الغرضية ويتقن فض الخلاف بين الأخوة العرب ، وإذا تعذر وجوده فلا بارك الله بعالم عربي خلا من مصلحين .

من عادات فض الخلاف عند العرب البدو ، دفع الدية ، أو تكبيل القاتل ورميه في مضافة الخصم أو رميه على قبر المقتول بحضور أعضاء لجنة الصلح ، وأحيانا إذا كانت الحادثة قضاء وقدر عفت العشيرة وتم الصلح .

يسأل بعض الناس ،ماذا تريد السعودية من لبنان ، فقد رمى لبنان على قبر مطالبها وزير خارجية الحكومة السابقة ومن ثم وزير الاعلام جورج قرداحي ،  وانحنى راضخا لإرادتها ،وقبل ذلك خطفت رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ، وها هي اليوم تخرجه من الحياة السياسية في لبنان .

القراءة الخاطئة تُنتج كارثة ، والكارتة الأكبر إذا كنا نجهل القراءة .

لقد خسر آل سعود شهامة البدوي عندما ارتضوا الولايات المتحدة الأميركية راعية لنشوء دولة السعودية ، وعندما تعهدوا لأمريكا أنهم سيكونون حراب في صدور خصومها في المنطقة .

نعود الى الفحل الكويتي الآتي الينا على متن مطالب دول الخليج العربي .

أنها ورقة غربية  بيضاء كُتب عليها أوامر أميركية بحليب النوق وأقلام النخيل .

لقد كُتب الكثير عن هذه الورقة  وعن واضع شروطها ، ومعظمه أصاب الهدف ولكن أردت أن أكتب عن حامل الورقة وكاتبها.

هؤلاء العرب البدو أبهرهم سلطان الغرب ، فنسوا ما قاله الشاعر نذير العظمة ،

قل للذي جحد البلاد وعقّها وتنكّرا 

إن الكرامة في بلادي لا تُباع ولا تُشترى 

من انحنى لأكثرة من مرة يُصبح عبّارة لمشاريع الذل والعار ، فالانحناءة الأولى أوصلتنا الى هذه المسخرة .

المشكلة أنه لا يوجد في لبنان دولة ذات سيادة ، وأرباب السلطة لا يعرفون معنى السيادة، لذلك كان من الطبيعي جدا أن يجلس على طاولة واحدة الخائن والذي حرّر الأرض ، ومن الطبيعي جدا أن يكون في سدة الرئاسة من باع واشترى ، ولكن ما هو غير طبيعي أن يصمت الوطني والقومي  والمقاوم ويرضى الشراكة مع من طعن في الظهر وخان . 

نحن لا نستغرب أن يطلب لبنان مهلة ، وكأن بنود الورقة تحتاج الى علوم الفقه في التفسير. فأصحاب الرأي في لبنان فقهاء في اختراع المصطلحات . الصيغة ، الميثاق ، الحياد ، النأي بالنفس ، لا غالب ولا مغلوب .... الخ واليوم يحتاجون الى مصطلح جديد يتناسب مع مطالب ورقة العار .

لقد أطأتم لمرات  كثيرة وأصبتم لمرات قليلة قليلة ، ولأنكم ما زلتم تكرهون الحقيقة  صح ّ القول فيكم :

كل ابن آدم خطّاء وخير  الخطائين التوابين 

الى أن تنجح السلطة في ابتكار المصطلح الجديد نستودع لبنان أمانة في أعناق الشرفاء في هذا الكيان الجريح .

سامي سماحة 

في 26 /1/2022


تعليقات